الاثنين، 20 فبراير 2023

من روائع الطب النبوي في علاج الأبدان

 


إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحْبه أجمعين.

 

أما بعد:

فمِن فضل الله تعالى أنه جعَل لكلِّ داءٍ دواءً، وجعَل في قرآنه وسُنة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - آياتٍ مِن الإعجاز التي تَشفي كل الأمراض إنْ أخلص العبد النيةَ في توكله عليه؛ قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، وقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما أنْزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً))؛ أخرجه البخاري في "الطب" (5678)، وابن ماجه في الطب (ح: 3439).

 

وفي الطبِّ النبوي علاجٌ لكثير من الأمراض البدنية، فهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان المرجعيةَ الطِّبية لصحابته الكرام، وقد دلَّهم على الداء والدواء، وهو الذي لا ينطِق عن الهوى، وحثَّهم على العلاج بما فاء الله تعالى عليهم مِن خامات طبيعيَّة.

 

ومِن هذه الأمراض على سبيل المثال:

الحمَّى، استطلاق البَطن - الإسهال - الاستسقاء، الجروح، التسمُّم، أمراض الأسنان، عرق النَّسا، البثور، الجذام، الصداع... إلخ، وكل هذه الأمراض وغيرها تحتاج لبيانِ علاجها بالتفصيل إلى مساحة أكبر مِن هذه العجالة.

 

ومِن ثَمَّ رأينا أن نذكر هنا علاجَ الكثير من هذه الأمراض إجمالاً، وهي تندرج تحتَ دواء مِن الأدوية التي تتوفَّر في الصيدلية النبويَّة مِن روائع الطب النبوي بالخامات والأدوية الطبيعية، وفي هذا ما يَكفي ويَشفي، والله المستعان.

 

1- العلاج بالحَبَّة السوداء (الشونيز):

الحبَّة السوداء مِن روائع الطب النبوي، وجاء فيها مِن الأحاديث ما يَليق بأهميتها في الشِّفاء مِن كل أمراض الأبدان، وأذكُر هنا حديثًا واحدًا فيه الكفاية.


عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((عليكم بهذه الحبَّة السوداء، فإنَّ فيها شفاءً مِن كل داء إلا السَّام))، والسام: الموت؛ أخرجه البخاري في الطب (ح: 5687)، ومسلم في السلام (ح: 2215).


قال ابن القيم في "الزاد" (4/272):

الحبَّة السوداء: هي الشُّونيز في لُغة الفُرْس، وهي الكمُّون الأسود، وتُسمَّى الكمُّون الهِندي، ثم قال: وهي كثيرة المنافِع جدًّا، وقوله: ((شِفاء مِن كل داء))، مِثل قوله تعالى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ [الأحقاف: 25]؛ أي: كل شيء يقبل التدميرَ ونظائره، وهي نافعةٌ مِن جميع الأمراض البارِدة وتدخل في الأمراض الحارَّة اليابسة بالعرْض، فتوصَّل قوى الأدوية البارِدة الرَّطْبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخَذ يُسيِّرها.


وقد نصَّ صاحب القانون وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعةِ تنفيذه، وإيصاله قوته، وله نظائرُ يعرفها حذَّاق الصناعة، ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارَّة بالخاصية، فإنَّك تجد ذلك في أدوية كثيرة، منها:

الأنزروت وما يُركَّب معه من أدوية الرَّمد؛ كالسكر وغيره مِن المفردات الحارة، والرمد ورم حار باتِّفاق الأطباء، وكذلك نفع الكبريت الحار جدًّا مِن الجرَب.

 

والشونيز حارٌّ يابس في الثالثة مذهب للنفخ مخرج لحب القرْع، نافِع من البرص وحمَّى الربع، والبلغمية مفتح للسدد، ومحلِّل للرياح، مجفِّف لبلَّة المعدة ورطوبتها، وإن دقَّ وعُجن بالعسل وشُرب بالماء الحار أذاب الحصاةَ التي تكون في الكليتين والمثانة ويدرُّ البول والحيض واللبن إذا أُديم شربه أيَّامًا، وإن سُخِّن بالخل وطلي على البطن قتَل حب القرع، فإن عجن بماء الحنظل الرَّطب أو المطبوخ كان فِعْله في إخراج الدُّود أقْوى، ويجلو ويقطع ويُحلِّل ويَشفي من الزكام البارد إذا دقَّ وصيّر في خرقة واشتمَّ دائمًا أذهبه، ودهنه نافِع لداء الحية، ومِن الثآليل والخيلان، وإذا شرب منه مثقال بماء نفع من البهر وضِيق النفس، والضماد به ينفع مِن الصداع البارد، وإذا نقع منه سبع حبَّات عددًا في لبن امرأة وسعط به صاحِب اليرقان نفعَه نفعًا بليغًا.


وإذا طُبِخ بخل وتمضمض به نفعَ من وجع الأسنان عن برد، وإذا استعط به مسحوقًا نفَع من ابتداء الماء العارض في العين، وإنْ ضمد به مع الخلِّ قلْع البثور والجرَب المتقرح وحلَّل الأورام البلغمية المزمنة والأورام الصُّلبة، وينفع مِن اللقوة إذا تسعّط بدهنه، وإذا شرب منه مقدار نِصف مثقال إلى مثقال نفَعَ من لسع الرتيلاء، وإن سحق ناعمًا وخُلِط بدهن الحبَّة الخضراء وقطر منه في الأُذن ثلاث قطرات نفَع من البرد العارض فيها والرِّيح والسدد، وإنْ قلي ثم دقَّ ناعمًا ثم نُقِع في زيت وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع نفَع مِن الزكام العارض معه عطاس كثير، وإذا أُحرِق وخلط بشمع مُذاب بدُهن السوسن أو دهن الحنَّاء وطُلي به القروح الخارجة مِن الساقين بعدَ غسلها بالخلِّ نفَعَها وأزال القروح.

 

وإذا سُحِق بخلٍّ وطُلي به البَرص والبهق الأسود والحزاز الغليظ نفَعَها وأبرأها، وإذا سُحِق ناعمًا واستَفَّ منه كل يوم درهمين بماء بارِد من عضة كلْب كلِب قبل أن يفرغ مِن الماء نفَعه نفعًا بليغًا، وأمن على نفسه مِن الهلاك، وإذا استعط بدُهنه نفَع مِن الفالج والكزاز وقطَع موادهما، وإذا دخن به طرد الهوام، وإذا أذيب الأنزروت بماء ولُطخ على داخل الحلقة، ثم ذرَّ عليها الشونيز كان مِن الذرورات الجيِّدة العجيبة النَّفْع من البواسير، ومنافعه أضعافُ ما ذكرْنا، والشربة منه درهمان" ا.هـ.


وفي تذكرة داود الأنطاكي قال ما مختصره:

وهو يقْطع شأفة البلْغم والقولنج والرِّياح الغليظة وأوجاع الصَّدْر والسُّعال، وقذف المدَّة، وضيق التنفُّس، والانتصاب، وفساد الأطعمة، والاستسقاء واليرقان والطحال، واستعماله كلَّ صباح بالزبيب يحمِّر اللون ويصفِّيه، ورماده يقطع البواسير شربًا وطلاءً، وبخوره يُنقِّي الرأس مِن سائر الصداع والأوجاع، والشقيقة والزكام والعطاس" ا.هـ.

 

2- العلاج بأعوادِ السِّواك "الأراك":

أخرج مسلمٌ بسنده عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عشْر من الفِطرة: قصُّ الشارب وإعْفاء اللحية، والسواك واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار وغسل البراجم، ونتْف الإِبْط وحلق العانة، وانتقاص الماء، قال زكرياء - راوي الحديث -: قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلاَّ أن تكون المضمضة))؛ أخرجه مسلم في الطهارة (ح: 261)، والترمذيُّ في الأدب (ح: 2757).

 

وثبت في الصحيحين عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسواك عندَ كل صلاة))؛ البخاري في الجمعة (ح: 887)، ومسلم في الطهارة (ح: 252).


وفي صحيح البخاري تعليقًا عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السواك مطهرة للفمِ مرضاةٌ للرب))؛ أخرجه البخاري في الصوم، والنسائي في الطهارة (ح: 5)، وغيرهما.

 

والأحاديث عن فضل السواك كثيرة؛ قال ابن القيم في "الزاد" (4/293):

"وأصلح ما اتّخذ السواك مِن خشب الأراك ونحوه، ولا ينبغي أن يُؤخَذ من شجرة مجهولة فربَّما كانت سمًّا، وينبغي القصد في استعماله، فإنْ بالغ فيه فربَّما أذهب طلاوةَ الأسنان وصقالتَها وهيَّأها لقبول الأبخرة المتصاعِدة مِن المعدة والأوساخ، ومتى استعمل باعتدال جلاَّ الأسنان وقوَّى العمود، وأطلق اللسان ومنع الحفر، وطيَّب النكهة ونقَّى الدماغ، وشهى الطعام.


ثم قال:

وفي السواك عدَّة منافع: يُطيِّب الفم ويشدُّ اللثة، ويقطع البلغم ويجلو البصر، ويذهب بالحفر ويصح المعدة، ويصفِّي الصوت ويُعين على هضم الطعام، ويسهل مجاري الكلام، وينشط للقراءة والذِّكر والصلاة ويطرد النوم، ويُرْضي الربَّ، ويُعجب الملائكة، ويكثر الحسنات.


ويُستحبُّ كلَّ وقت، ويتأكد عندَ الصلاة والوضوء، والانتباه من النوم، وتغيير رائحة الفم، ويستحبُّ للمفطِر والصائم في كلِّ وقت؛ لعمومِ الأحاديث فيه ولحاجة الصائم إليه، ولأنَّه مرضاة للرب ومرضاته مطلوبةٌ في الصوم أشد مِن طلبها في الفِطر، ولأنه مطهرةٌ للفم والطهور للصائِم من أفضل أعماله". اهـ.


وقال صاحب كتاب "التداوي بالأعشاب"[1]: وقد أثبتت الأبحاثُ الطبية أنَّ السواك المأخوذ مِن شجرة الأراك غنيٌّ بالمواد المطهِّرة والمنظِّفة، والقابضة والمانعة للنزف الدَّموي والعفوي والقاتِلة للجراثيم، حيث يحتوي السواك على العفص (TANNICACID)، ولهذه المادة تأثيرٌ مضاد للتعفُّنات والإسهالات، كما يطهِّر اللثة والأسنان ويَشفي جروحها الصغيرة ويَمْنع نزيف الدم منها.

 

أمَّا مادة (SINNGIRIN) فهي عبارةٌ عن جليكوزيد مكوَّنة من اتِّحاد زيت الخردل (أليك) مع سكَّر العنب اليَمني، ويُمكن فصلها بواسطة الخميرة المسمَّاة (MGROSIN) إلى سكَّر العنب وزَيت الخردت، وللأخير رائحة حادَّة وطعْم حرَّاق، وهو ما يُشعِر به الشخص الذي يُستعمل السواك لأوَّل مرَّة، وهذه المادَّة تساعد على الفتك بالجراثيم.

 

ثم قال: وقد تمَّ صناعةُ معجون الأسنان مِن خلاصة السواك، ولو نظرنا للسواك لوجدْناه كيميائيًّا يتكوَّن من ألياف السليلوز وبعض الزيوت الطيَّارة، ومن راتنج عطري وأملاح معدنية، أهمها: كلوريد الصوديوم - ملح الطعام - وكلوريد البوتاسيوم، وأوسالات الجير؛ ولذلك فالسواك فرشاةٌ طبيعيَّة زوّدت بأملاح معدنية وموادَّ عِطرية تُساعِد على تنظيف الأسنان". اهـ.

 

3- العلاج بالحجامة:

الحجامة مِن روائع الطب النبوي، وقد ثبَت احتجامُه - صلَّى الله عليه وسلَّم -وأمرَنا به.

 

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: احتجَم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَجمَه أبو طيبة فأمَر له بصاعين مِن طعام وكلَّم أهله فوضعوا عنه مِن خراجه، وقال: ((إنَّ أفضل ما تداويتم به الحجامةُ، أو هو مِن أمثل دوائكم))؛ أخرجه مسلم في المساقاة (ح: 1577).

 

وثبَت أيضًا احتجامه من السمِّ الذي أصابه مِن الشاه المسمومة.

 

قال ابن القيم في "الزاد" (4/111):

"عن عبدالرحمن بن كعْب بن مالك - رضي الله عنه - قال: "إنَّ امرأةً يهودية أهدتْ إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - شاةً مصلية بخيبر، فقال: ((ما هذه؟)) قالت: هدية، وحذرتْ أن تقول: من الصَّدَقة، فلا يأكل منها، فأكَل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأكَل الصحابة، ثم قال: أمسكوا، ثم قال للمرأة: ((هل سممتِ هذه الشاة؟)) قالت: مَن أخبرك بهذا؟ قال: ((هذا العظم لساقِها، وهو في يدِه؟))، قالت: نعم، قال: ((لِمَ؟)) قالت: أردتُ إن كنتَ كاذبًا أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبيًّا، لم يضرَّك، قال: فاحتجم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثلاثةً على الكاهل، وأمر أصحابه أن يحتجِموا، فاحتجموا، فمات بعضُهم؛ والحديث صحيح، صحَّح الألبانيُّ إسنادَه في سنن أبي داود (ح: 4512).

 

ثم قال - رحمه الله -: "معالجة السمِّ تكون بالاستفراغات، وبالأدوية التي تعارض فعلَ السمِّ وتبطله، إمَّا بكيفياتها، وإما بخواصِّها، فمَن عدم الدواء، فليبادرْ إلى الاستفراغ الكُلي، وأنفعه الحجامة، ولا سيَّما إذا كان البلدُ حارًّا، والزمان حارًّا، فإنَّ القوة السمية تسري إلى الدم، فتنبعث في العُروق والمجاري حتى تصلَ إلى القلب، فيكون الهلاك، فالدم هو المنفذ الموصل للسُّمِّ إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم، خرجتْ معه تلك الكيفيةُ السُّمية التي خالطتْه، فإنْ كان استفراغًا تامًّا لم يضرَّه السم، بل إما أن يذهب، وإمَّا أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة، فتُبطل فعْلَه أو تُضعفه.

 

ولما احتجم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - احتجَم في الكاهل، وهو أقربُ المواضع التي يُمكن فيها الحجامة إلى القلْب، فخرجتِ المادة السميَّة مع الدم لا خروجًا كليًّا، بل بقِي أثرها مع ضعْفه لما يريد الله سبحانه مِن تكميل مراتب الفضْل كلها له، فلمَّا أراد الله إكرامَه بالشهادة، ظهَر تأثيرُ ذلك الأثَر الكامن من السمِّ؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً".

 

وقال - رحمه الله - في موضع آخَر من الكتاب (4/498) عن منافع الحجامة ما مختصره: "وأمَّا منافع الحجامة: فإنَّها تنقي سطحَ البدن أكثرَ من الفصد، والفصد لأعماقِ البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم مِن نواحي الجلد.

 

ثم قال: قال صاحب القانون - ابن سينا -: ويُؤمر باستعمال الحجامة لا في أوَّل الشهر؛ لأنَّ الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت، ولا في آخِره؛ لأنَّها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاطُ هائجةً بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرْم القمر.

 

ثم قال: والحجامة على الكاهِل: تنفَع مِن وجع المنكب والحلْق.

 

والحجامة على الأخدعين تنفَع مِن أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلْق إذا كان حدوثُ ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا.

 

والحجامة تحت الذَّقن تنفَع مِن وجع الأسنان والوجه والحلقوم، إذا استعملت في وقتها، وتنقي الرأس والفكين، والحجامة على ظهْر القدَم تنوب عن فصْد الصافن، وهو عرْق عظيم عند الكعب، وتنفَع من قروح الفخذين والساقين، وانقطاع الطمْث، والحكَّة العارضة في الأنثيين، والحجامة في أسفل الصَّدر نافعة مِن دماميل الفخذ، وجرَبه وبثوره، ومِن النقرس والبواسير، والفيل وحكَّة الظهر.

 

ثم قال عن أفضل أوقات الحجامة:

عن أنس - رضي الله عنه - كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحتجِم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبعةَ عشر، وتسعةَ عشر، وفي إحدى وعشرين"؛ أخرجه الترمذي في الطبِّ (ح: 2051)، وانظر صحيح الجامع (ح: 4927).

 

وفي سُنن أبي داود من حديثِ أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((مَن احتجم لسبعَ عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، كانت شفاءً مِن كل داء))؛ انظر صحيح الجامع (ح: 5968).

 

ثم قال: وهذه الأحاديثُ موافقةٌ لما أجْمع عليه الأطباء، أنَّ الحجامة في النصف الثاني، وما يَليه مِن الربع الثالث مِن أرباعه أنفعُ مِن أوله وآخره، وإذا استعملت عندَ الحاجة إليها نفعَتْ أيَّ وقت كان مِن أول الشهر وآخره.

 

وقال صاحب القانون: أوقاتها في النهار: الساعة الثانية أو الثالثة، ويَجِب توقيها بعدَ الحمام إلا فيمَن دمُه غليط، فيجب أن يستحم، ثم يستجم ساعة، ثم يحتجم، انتهى.

 

وتُكره عندهم الحجامة على الشِّبَع، فإنها ربما أورثتْ سددًا وأمراضًا رديئة، لا سيَّما إذا كان الغذاء رديئًا غليظًا، وفي أثر: "الحجامة على الرِّيق دواء، وعلى الشِّبع داء، وفي سبعةَ عشرَ مِن الشهر شفاء"، واختيار هذه الأوقات للحجامة، فيما إذا كانتْ على سبيل الاحتياط والتحرُّز مِن الأذى، وحفظًا للصحة، وأما في مداواة الأمراض، فحيثما وجد الاحتياح إليها وجَب استعمالها". اهـ.

 

4- العلاج بأبوال الإبل وألبانها:

قال ابن القيم في "الزاد" (4/42) ما مختصره:

"في الصحيحين مِن حديث أنس بن مالك  - رضي الله عنه - قال: قدِم رهطٌ من عرينة وعكل على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فاجْتَووا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((لو خرجتُم إلى إبل الصدقة فشربتُم مِن أبوالها وألبانها))، ففعلوا، فلما صحُّوا، عمَدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربو اللهَ ورسولَه، فبَعث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في آثارهم، فأخذوا، فقُطِع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألْقاهم في الشمس حتى ماتوا"؛ أخرجه البخاري في الجهاد (ح: 3018)، ومسلم في القسامة والمحاربين (ح: 1671).

 

والاستسقاء: مرَض مادي سببه مادةٌ غريبة بارِدة تتخلَّل الأعضاء فترْبو لها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإمَّا المواضع الخالية مِن النواحي التي فيها تدبيرُ الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحْمي - وهو أصعبها - وزقي، وطبلي.

 

ولما كانتِ الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدويةَ الجالبة التي فيها إطلاق معتدل، وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمَرَهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بشربها، فإنَّ في لبن اللقاح جلاءً وتليينًا، وإدرارًا وتلطيفًا، وتفتيحًا للسدد، ثم قال:

وهذا المرض لا يكون إلاَّ مع آفة في الكبد خاصَّة، أو مع مشاركة، وأكثرها عن السَّدد فيها، ولبن اللقاح العربية نافعٌ مِن السدد؛ لما فيه من التفتيح، والمنافع المذكورة.

 

قال الرازي: لبن اللقاح يَشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج، وقال الإسرائيلي: لبن اللقاح أرقُّ الألبان، وأكثرها مائيةً وحدَّة، وأقلها غذاء؛ فلذلك صار أقواها على تلطيفِ الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السدد، ويدلُّ على ذلك ملوحتُه اليسيرة التي فيه لإفراطِ حرارة حيوانية بالطبع؛ ولذلك صار أخصَّ الألبان بتطرية الكبد، وتفتيح سددها، وتحليل صلابة الطِّحال إذا كان حديثًا، والنفع من الاستسقاء خاصَّة إذا استعمل لحرارته التي يخرُج بها من الضرع مع بولِ الفصيل، وهو حارٌّ كما يخرج مِن الحيوان، فإنَّ ذلك مما يَزيد في ملوحته، وتقطيعه الفضول، وإطلاقه البطن، فإن تعذَّر انحداره وإطلاقه البطن، وجَب أن يطلق بدواء مسهِّل.

 

وقال صاحب القانون: ولا يلتفت إلى ما يُقال: مِن أنَّ طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء، قال: واعلمْ أنَّ لبن النوق دواءٌ نافع؛ لما فيه مِن الجلاء برفق، وما فيه مِن خاصية، وأنَّ هذا اللبن شديد المنفَعَة، فلو أنَّ إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطعام شُفِي به، وقد جُرِّب ذلك في قوم دفعوا إلى بلادِ العرب، فقادتهم الضرورةُ إلى ذلك، فعوفوا، وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي، وهو النَّجيب". اهـ.

 

5- العلاج بعسل النحل:

عسَل النحل جعَله الله تعالى شفاءً للناس مِن كل داء، قال تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [النحل: 69].

 

والنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حثَّ أمَّته على التداوي به، وثبَت هذا في الصحيحين مِن حديث أبي سعيد الخدري: "أنَّ رجلاً أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنَّ أخي يشتكي بطنه: وفي رواية: استطلَق بطنه، فقال: ((اسقه عسلاً))، فذهَب ثم رجَع، فقال: قد سقيتُه، فلم يُغنِ عنه شيئًا، وفي لفظ: فلم يزدْه إلا استطلاقًا مرَّتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول له: ((اسقه عسلاً))، فقال له في الثالثة أو الرابعة: ((صَدَق الله، وكذَب بطنُ أخيك))؛ أخرجه البخاري في الطب (ح: 5716)، ومسلم في السلام (ح: 2217).

 

وقال ابن القيم في "الزاد" (4/3):

"والعسل فيه منافعُ عظيمة، فإنَّه جلاءٌ للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلِّل للرطوبات أكلاً وطلاءً، نافِع للمشايخ وأصحاب البَلغم، ومن كان مزاجُه باردًا رطبًا، وهو مغذٍّ مليِّن للطبيعة، حافِظ لقُوى المعاجين ولما استودع فيه، مُذهِب لكيفيات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصدر، مدرٍّ للبول، موافق للسعال الكائن عنِ البلغم، وإذا شُرِب حارًّا بدهن الورد، نفَع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإنْ شُرِب وحْده ممزوجًا بماء نفَع مِن عضة الكَلْب الكَلِب... ثم قال:

وهو غذاءٌ مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشْرِبة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومفْرِح مع المفرحات، فما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه، ولا مِثله، ولا قريب منه، ولم يكُن معوَّل القُدماء إلاَّ عليه، وأكثر كتب القُدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنَّه حديث العهْد حدَث قريبًا، وكان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يشربه بالماء على الرِّيق، وفي ذلك سرٌّ بديع في حِفظ الصحة لا يُدركه إلا الفِطنُ الفاضل.

 

ثم قال:

وفي قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صَدَق الله وكذَب بطنُ أخيك))، إشارة إلى تحقيقِ نفْع هذا الدواء، وأنَّ بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفْسه، ولكن لكذب البطن، وكثرة المادَّة الفاسدة فيه، فأمره بتَكْرار الدواء لكثرةِ المادة.

 

وليس طبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كطبِّ الأطباء، فإن طبَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - متيقّن قطعي إلهي، صادِر عن الوحي، ومشكاة النبوَّة، وكمال العقل، وطب غيره، أكثرُه حدسٌ وظنون، وتجارِب، ولا يُنكر عدم انتفاع كثيرٍ مِن المرضى بطبِّ النبوة، فإنَّه إنما ينتفع به مَن تلقَّاه بالقَبول، واعتقاد الشِّفاء به، وكمال التلقِّي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاءٌ لما في الصُّدور - إنْ لم يتلقَّ هذا التلقِّي - لم يحصلْ به شفاء الصُّدور من أدوائها، بل لا يَزيد المنافقين إلاَّ رجسًا إلى رِجْسِهم، ومرضًا إلى مرَضهم، وأين يقَع طب الأبدان منه؟ فإعراض الناس عن طبِّ النبوَّة كإعراضهم عن طبِّ الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشِّفاء النافِع، وليس ذلك لقصورٍ في الدواء، ولكن لخُبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قَبوله، والله الموفَّق". اهـ.

 

ولمعلوماتك - أخي القارئ - ففي العسل كلُّ ما يحتاجه جسمُ الإنسان مِن فيتامينات، ففيه فيتامين أ، ب1، ب2، ب3، ب5، ب6، د، ك، و، هـ.

 

وكذلك يحتوي على معادن وأملاح، كالحديد والكبريت، والكالسيوم والبوتاسيوم، واليود والصوديوم، والقصدير والرصاص والمنجنيز... إلخ.

 

وفوائده لا تُحْصَى ولا تُعدُّ - ولله الحمد والمِنَّة.

 

وبعد: فأختُم هذه المقالة بعدَ أن وصلت لنهايتها على الرغم من حاجة الموضوع لمساحةٍ أكبرَ، ولكن فيما ذكرْناه من روائع الطبِّ النبوي الكفاية؛ ليلتمس البعض الشفاءَ فيه بعيدًا عن الآثار السيِّئة والأعراض الجانبيَّة للأدوية الكيماوية، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على الصادِق المعصوم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحْبه أجمعين.




مواضيع ذات صلة

من روائع الطب النبوي في علاج الأبدان
4/ 5
Oleh

إشترك بنشرة المواضيع

.اشترك وكن أول من يعرف بمستجدات المواضيع المطروحة